الشيخ السبحاني
328
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
الوجه الثالث : إنّ القول بحاجة الممكن إلى العلة في حدوثه دون بقائه غفلة عن واقعية المعلول ونسبته إلى علّته فإن وزانه إليها وزان المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي . فكما أنّه ليس للأول الخروج عن إطار الثاني في المراحل الثلاث : التصوّر ، والدّلالة ، والتحقّق ، فهكذا المعلول ليس له الخروج عن إطار العلّة في حال من الحالين الحدوث ، والبقاء « 2 » . فإذا كان هذا حال المقاس عليه فاستوضح منه حال المقاس ، فإنّ المفاض منه سبحانه هو الوجود وهو لا يخلو عن إحدى حالتين : إمّا وجود واجب أو ممكن ، والأول خلف لأن المفروض كونه معلولا ، فثبت الثاني ، وما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمّا هو عليه ( الإمكان ) فكما هو ممكن حدوثا ، ممكن بقاء ، ومثل ذلك لا يستغني عن الواجب في حال من الحالات لأن الاستغناء آية انقلابه عن الإمكان إلى الوجوب ، وعن الفقر إلى الغنى . نعم ، ما ذكرنا من النسبة إنما يجري في العلل ، والمعاليل الإلهية لا الفواعل الطبيعية ، فالمعلول الإلهي بالنسبة إلى علته هو ما ذكرنا ، والمراد من العلّة الإلهية ، مفيض الوجود ومعطيه كالنفس بالنسبة إلى الصور التي تخلقها في ضميرها ، والإرادة التي توجدها في موطنها ، ففي مثل هذه المعاليل ، تكون نسبة المعلول إلى العلّة ، كنسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي . وأمّا الفاعل الطبيعي ، كالنار بالنسبة إلى الإحراق ، فخارج عن إطار بحثنا ، إذ ليس هناك عليّة حقيقية ، بل حديث العلية هناك لا يتجاوز عن تبديل أجزاء النار إلى الحرارة . وذلك كما هو الحال في العلل الفيزيائية
--> فيها في بعض محاضراته . لاحظ كتاب « اللّه خالق الكون » ص 525 - 555 تجد فيه بغيتك . ( 2 ) سيوافيك توضيح هذا التشبيه عند البحث عن المنهج الثالث للاختيار وهو القول بالأمر بين الأمرين .